السيد حيدر الآملي
343
تفسير المحيط الأعظم والبحر الخضم في تأويل كتاب الله العزيز المحكم
وأقدرهم بحلّ رموزه ومشكلاته لأنّه القرآن الناطق والبرهان الصادق ، كما أشار إليه في خطبته الافتخاريّة بقوله : أنا آية الجبّار ، أنا أنيس الفلك الدوّار ، أنّا القرآن الناطق ، أنا البرهان الصّادق ، أنا حاء الحواميم ، أنا طاء الطّواسم إلى آخر الخطبة فإن أكثرها على هذا الأسلوب [ فقد مرّت الإشارة إليها في التعليقة 31 ] . وقوله أيضا في موضع آخر : وهذا القرآن إنّما هو خط مسطور بين الدفّتين لا ينطق بلسان ، ولا بدّ له من ترجمان ، وإنّما ينطق عنه الرّجال [ فقد مرّت الإشارة إليه في التعليقة 59 ] . إشارة إلى هذا أي أنّ القرآن ليس بناطق بل يحتاج هو إلى ناطق ينطق عنه ، وذلك الناطق أنا وأمثالي من أهل بيت النّبي ( ع ) المعبّر عنهم بالرّجال ، وتقديره أن هذا الكتاب الإلهي والكلام الرّباني المسطور بين الدّفّتين أعني بين الجلدتين ما له قوّة النّطق ولا قابليّة التّكلّم ، بل يحتاج هو في نفسه إلى متكلّم يتكلّم عنه ومترجم يترجم منه ، وإنما ينطق عنه الرّجال ، أي الرّجال الإلهيّون المشار إليهم في قوله : رِجالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ [ سورة النور : 37 ] . الموسومون بأولى الألباب ، الموصوفون بالرّسوخ في جميع الأبواب ، لقوله أيضا : وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا وَما يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُوا الْأَلْبابِ [ سورة آل عمران : 7 ] . ومعلوم أن إنما للحصر ، وأن الرجال فيه ألف ولام وذلك من علامة العهد ، ومن علامة أنّه تعالى خصّ لهم تأويله وتحقيقه ، لأنّهم من رجال ورد فيهم : رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ [ سورة الأحزاب : 23 ] . ويدلّ على هذا أيضا قوله تعالى : إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ [ سورة الواقعة : 77 - 79 ] . لأنه إشارة إلى أن القرآن لا ينطق عنه وعن تأويله وتحقيقه ، ولا يحصل مسّه